من مقالات علم النفس الإيجابي نمو ما بعد الصدمة بقلم الدكتورة / دعاء فتحي مجاور
نمو ما بعد الصدمة
د. دعاء فتحى محمد مجاور
يعد مفهوم نمو ما بعد الصدمة
Post-traumatic growth من المفاهيم الحديثة نسبيًا والتى تندرج ضمن
موضوعات علم النفس الإيجابى.
ونتناول فى هذا المقال مفهوم نمو ما بعد الصدمة
ومجالاته(أبعاده)، وبعض النظريات المفسرة له.
إن نمو ما
بعد الصدمة يرتبط بمحاولات التكيف مع مجموعات شديدة السلبية من الظروف التي يمكن
أن تولد مستويات عالية من الضيق النفسي مثل: أزمات الحياة الكبرى، والتي عادة ما
تولد ردود فعل نفسية غير سارة. لا يحدث النمو كنتيجة مباشرة للصدمة؛ إنما
يعبر عن صراع الفرد مع الواقع الجديد في أعقاب الصدمة، وهو أمر حاسم في تحديد مدى
حدوث نمو ما بعد الصدمة. ومن الأمور المشجعة أن التقارير المتعلقة بتجارب النمو في
أعقاب الأحداث الصادمة تفوق بكثير عدد التقارير عن الاضطرابات النفسية، حيث غالبًا
ما يتعايش استمرار الضائقة الشخصية والنمو.
إن
الخبرات الصدمية يمكن فهمها على أنها تلك الأحداث التى تتحدى وجهات نظر الفرد
السابقة ومشاعره التى كان يُسلم بها، وتُحدث الصدمة بهما ما يشبه الزلزال. فكما يمزق الزلزال البيئة الطبيعية، ويُحطمها فإن أحداث الصدمة لها القدرة
على تمزيق شخصية الفرد، أى طريقة فهمه للعالم.
وكلما كانت درجة الخبرة المُزلزلة التى تعرض لها الفرد قوية، كلما كان على
الفرد أو وجب عليه أن يتساءل ويقوم بتطوير فرضياته الأساسية بخصوص الصدمة التى
تعرض لها، والقابلية للتنبؤ، وتكوين الهوية، والمعنى.
ويعد نمو ما بعد الصدمة تجربة للتغيير الإيجابي الذي يحدث نتيجة للصراع مع
أزمات الحياة الشديدة الصعوبة كمرض السرطان. إن الحاجة إلى فهم نمو ما بعد الصدمة فيما يتصل بالتغيرات الفعلية في حياة
الفرد مهمة.
·تعريف نمو ما بعد الصدمة:
يُعرف نمو ما بعد الصدمة بأنه: حالة نمو نفسى إيجابى للأفراد الذين تعرضوا لأحداث صادمة خلال حياتهم، وأدت
هذه التغييرات إلى تغييرات جوهرية بجوانب شخصية هؤلاء الأفراد، سواء على المستوى
الشخصى من خلال تغير نظرتهم لأنفسهم، وعلى المستوى الاجتماعى أيضًا.
ونمو ما بعد الصدمة هو: كل
تغير إيجابى بعد التعرض لأحداث حياتية صدمية، يمكن أن يؤدى إلى تحسينات فى مجالات مختلفة
مثل: تقدير الذات، والمعنى ...وغيرهما، ويهدف نمو ما بعد الصدمة إلى تحقيق مستوى أمثل
من الأداء النفسى للشخص المصدوم بما يسمح بفتح آفاق جديدة للفرد".
وبذلك فنمو ما بعد الصدمة هو:
نتيجة إيجابية للصراع مع
حدث صادم، ومتميز، ومعاكس للنتائج السلبية التى قد تكون متوقعة الحدوث.
·مجالات (أبعاد) نمو ما بعد الصدمة Dimensions of post-traumatic growth:
- بعد تقدير الحياة: الشعور بتحول كبير في كيفية التعامل مع الحياة
اليومية وتقدير لحظات الحياة والهدف منها والشعور بأهميتها مع ترتيب الأولويات.
- بعد العلاقات مع الآخرين:
إدراك حدوث تغيرات
إيجابية في العلاقات مع الآخرين بتعميق الصلات والتقارب معهم وإدراك أهمية وجود
العلاقات الاجتماعية مع من حولنا وتقدير قيمتهم، وحماية الذات من التعرض للإساءة
من الآخرين.
- بعد قوة الشخصية: شعور الفرد بتغيرات إيجابية في إدراك الذات والإحساس بجوانب قوة الشخصية
والثقة في الذات وجدارتها وقدرتها على إدارة الضغوط ومواجهتها في المواقف المختلفة
والمحتملة مستقبلا.
- بعد الفرص الجديدة: إدراك الفرد للفرص الجديدة والفوائد المحتملة
التي نتجت عن حدوث الصدمة.
- بعد التغيرات الروحية: حدوث تغير إيجابي في المعتقدات الروحية من خلال
زيادة الإحساس بالمعنى والهدف وتعميق الإيمان والقيم الروحية والحفاظ على
المعتقدات الروحية.
·بعض النظريات والنماذج المفسرة لنمو ما بعد
الصدمة:
- النظرية التحويلية Transformational theory:
قام Tedeshci & Calhoun,1996)) بتقديم وتطوير هذه النظرية والتى تفسر نمو ما
بعد الصدمة أو التغييرات النفسية الإيجابية التى قد تنشأ عقب التعرض لظروف صدمية، يمكن
فهمها على أنها تُشير بشكل موسع إلى مجموعة من المنافع التى تنتج عن تجميع
للعمليات المعرفية، والانفعالية، والاجتماعية.
حيث يقوم الأشخاص بعد الصدمة بخلق مسار جديد
ويتبنون فلسفة مستنيرة لحياتهم، وهذا الاتجاه يُغير أفكارهم ومعتقداتهم الأساسية
الماضية، كما يُعدل افتراضاتهم السابقة، مما يجعلهم يكتشفون امكانات وفرص لم
يكتشفوها قبل الصدمة.
·وتمر عملية التعافى أو التشافى التى تحقق نمو ما
بعد الصدمة بعدة خطوات متداخلة وهى، كالتالى:
·تعامل الفرد مع الضغط النفسى أو الفقد الناتج عن
الخبرة الصادمة.
·مكاشفة الذات وتحديد نقاط القوة والضعف فيها.
·قبول الدعم الاجتماعى الذى يجعل الفرد قادرًا
على تحقيق أعلى مستوى من الهدوء النفسى وراحة البال.
·ضرورة إيجاد معنى الحياة والتأكيد على فكرة أن
تستمر برغم وجود الحدث الصادم.
·إعادة تشكيل البناء المعرفى للفرد بعد التعرض
للصدمة.
·إعادة ترتيب أولويات الحياة وموضوعات بالنسبة
للفرد الذى تعرض للصدمة.
·ضرورة التركيز على البعد الدينى باعتباره مخطط
ذو نظام أعلى يفسر إرادة الله، ويتم الاستفادة به فى فهم معنى الحياة والأحداث
الصدمية.
من خلال نظريةTedeshci&
Calhoun,2004)) يتضح وجود مجموعة من العوامل المتداخلة التى
تؤثر فى حدوث نمو ما بعد الصدمة كالعوامل البيئية، والعوامل الاجتماعية، والسمات
الشخصية للفرد ومهاراته التكيفية وإدارته للضغوط.
- نموذج Joseph لنمو ما بعد الصدمة:
يرى Joseph أن نمو ما بعد الصدمة يمر
بثلاثة مراحل بعد التعرض للصدمة وهى، كالتالى:
·المرحلة الأولى: (مرحلة التدهور): عند تعرض الفرد للحدث الصادم يظهر لديه تدهور كبير
كتعبير عن صعوبة المعايشة الصدمية.
·المرحلة الثانية: (مرحلة البناء): فى هذه المرحلة يقوم الفرد بإعادة استرجاع مستوى
أداء شبيه لمستواه قبل التعرض للحدث الصادم.
- المر حلة الثالثة: (مرحلة النمو): تمثل هذه المرحلة مرحلة التعافى من الصدمة حيث
يتمكن الفرد من الوصول إلى مستوى أداء مرتفع عما كان عليه قبل التعرض للحدث الصادم.

تعليقات
إرسال تعليق
أهلا ومرحبا بكم زائرنا الكريم نتمنى ان يكون محتوى المجلة قد نال إعجابك نشكرك ونتمنى زيارتنا مرة أخرى
الأديب الدكتور
موسى نجيب موسى